التخطي إلى المحتوى


كتب عمار نعمة في “اللواء”: 

تكاد تمر الذكرى الثالثة لـ 17 تشرين هذه الأيام من دون ضجيج في خضم الأحداث المتتابعة التي يحفل بها الخريف الحالي الذي قد يكون فتح صفحة جديدة للبنان ليشهد بعض الانفراجات ربطاً بالتطورات العالمية وتقاطعها الإقليمي.

سال حبر غزير حول ماهية التغيير الذي أضفته انتفاضة لبنانيين كثر قبل سنوات ثلاث، على طبقة سياسية كانت السبب الأساس وراء كارثته الاقتصادية والاجتماعية الأكبر منذ نشأة الكيان اللبناني أو لنقل منذ المجاعة الكبرى قبل تأسيس لبنان الحالي بسنوات.

لم تكن تلك الانتفاضة وليدة ساعتها وهي استلهمت شبيهتها التي سبقتها العام 2015 تحت عنوان “انتفاضة النفايات” بينما يعيد البعض هاتين الانتفاضتين الى مفاعيل الربيع العربي العام 2011.

وبغض النظر عن مصدر إلهام 17 تشرين فهي أسست لنهج مغاير في التعاطي مع السلطة عنوانه الجُرأة عليها وعلى كل ما ارتكبته في مرحلة ما بعد استتباب السلم الأهلي بعد الاتفاق في مدينة الطائف، في عهد ما سُمي بالجمهورية الثانية حتى الآن.

على أن أهم ما في انتفاضة تشرين كان تقديم الدليل على عقم النظام اللبناني السياسي القائم على الطائفية والمذهبية والزبائنية لدى قوى السلطة التي كانت تعلم به وتسكت عليه محاصصة بعضها البعض.

إلا أن ما اتضح أن إدراك مكمن العلة في النظام لا يكفي في ظل ضعف حيلة الجماهير المؤيدة للثورة على هذا النظام توازياً مع استلحاق جزء وازن وهام من اللبنانيين بأحزاب السلطة وارتباط معيشته بها، إلى جانب الطائفية المترسخة في وجدان كثيرين، ناهيك عن استنكاف الجزء الأكبر من اللبنانيين عن مقارعة السلطة رغم معارضته لها (وهو ما دلّت عليه نسبة الاقتراع في الانتخابات النيابية الأخيرة)، إضافة الى عوامل مثل افتقاد القيادة واختراق الانتفاضة عبر العنف وغيرها من العوامل أدت الى خشية الناس من تغيير مجهول، وكلها عوامل جاءت لتشير في شكل لا لبس فيه الى أن أوان التغيير لم يحن بعد لا بل يتطلب زمناً طويلاً ليشهد وعياً لدى الناس أولاً.

لسنا هنا في صدد تعداد إنجازات 17 تشرين وإخفاقاتها، لكن المؤكد أنه في ظل قانون مشوّه للانتخابات، وإن كان أفضل من سابقه كونه قائم على نوع من النسبية أفضل من قانون أكثري ظالم سابق، كان من شبه المستحيل على أنصار التغيير خرق البرلمان بأكثر مما خرقوا به، والذي شكل للمناسبة، مفاجأة للجميع.

على صعيد المجلس النيابي يمكن هنا الحديث ليس فقط عن التغييريين الذين تمخضت الانتفاضة عنهم، بل أيضا عن أنصار التغيير من نواب خرقوا المجلس النيابي ورفعوا الصوت واحتفظوا بهامش عن الأحزاب التقليدية، إضافة الى نواب مارسوا فعل التحالف مع تلك الأحزاب لكنهم يحتفظون اليوم بهامش ما عنها.

ما يعنينا هنا هو التغيير الذي طرأ على المجلس ومعه بات هؤلاء النواب بيضة القبان فيه لا سيما مع انقسام منظومة الحكم بشدة وعجز أي فريق عن الحسم في مواضيع عدة ومنعا قضية الساعة اليوم وهي انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

والحال أن التغييريين تعرضوا لحملات شعواء من المنظومة بفروعها كافة وسُلطت الأضواء على أدائهم وحتى على سلوكهم الشخصي وهم الذين يفتقرون بغالبيتهم لـ”الخبث” السياسي، والقادمون من مشارب متعددة وحتى متناقضة أحيانا إيديولوجياً وسياسياً، ما يفسر تبايناتهم وارتباكهم.

في محاولة لتبرير هذا المشهد لجأ التغييريون الى إنشاء تكتل يستوعب تبايناتهم وليس كتلة، لإدراكهم لعجزهم الطبيعي عن تأمين وحدة مستدامة في مواقفهم. لكنها مسألة وقت قبل ترجمة هذا التباين انقسامات طبيعية في المواقف تخرق الاجماع الحاصل وربما تفرط التكتل. والتغييريون في موقف لا يحسدون عليه ويجهدون لتجنب وصمهم بالتسوويين مع السلطة وبينهم غالبية ذات مواقف راديكالية وأقلية أكثر براغماتية تتجنب الصدام مع المنظومة.

ظهر هذا الأمر في مواقف كثيرة سبق تعدادها حتى كان آخرها الانقسام في الموقف من الحوار المفترض الذي دعت إليه السفارة السويسرية والذي تلا انقسامًا آخر حول مشاركة النواب السنة في لقاء دار الفتوى وستتبعهما اعتبارات أخرى قد تقلص من عدد التكتل من دون إضافة أسماء اخرى له لرفض الأعضاء ذلك كما لحذر النواب المستقلين والمتعاطفين مع 17 تشرين الولوج بتكتل كهذا..

في ذكراها الثالثة يبقى ما بعد 17 تشرين هو غير ما قبلها وتمضي ديناميكيتها قدماً من دون وهم استعجال التغيير ومن غير استسهاله كما في الأيام الاولى للحدث.

وسيكون النواب الـ 13 الذين يعلنون تمثيلها أمام امتحان عكس نبض بيئة الانتفاضة شرط العودة الى التنسيق المفقود بغرابة مع قواعدها في القضايا الاستراتيجية مثل رئاسة الجمهورية حيث التمسك بالموقف المبدئي بمرشح لم يتلوث بممارسة الحكم أبداً مع منظومة الحكم ولما لا التوصل الى تسوية مع المنظومة على اسم كهذا؟ والمضي في الموقف المتقدم من قضية ترسيم الحدود البحرية التي يؤيدها غالبية التغييريين باستثناء واحد.. ثم، وهذا مهم، عدم عودة جزء وازن منهم إلى اصطفافاته الآذارية السابقة وامتداداتها الخارجية..

وستبرز قضايا جديدة على الساحة تضع التغييريين أمام محك مواجهة جماهيرهم التي تختلف عن كثير غيرها لناحية مساءلتها من استأمنتهم على انتفاضتها، وهي ستكون مستعدة، وقد أبلغت فعلاً بعض التغييريين، لسحب هذا التأييد الشعبي ولو قبل الاستحقاق النيابي المقبل في حال جنح ممثلو الانتفاضة عن رايتها.

أمّا أوان فض الشراكة هذه بين بعض التغييريين (باتوا معروفين) وجماهيرهم، فرهن الزمن، لكن الفرص لممثلي الانتفاضة لن تتوالد إلى ما لا نهاية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *